فخر الدين الرازي
212
تفسير الرازي
سبحانه يوصل الثواب إلى أهل الثواب ، ويوصل العقاب إلى أهل العقاب ، ثم يفني الجنة وأهلها ، والنار وأهلها ، والعرش والكرسي والملك والفلك ، ولا يبقى مع الله شيء أصلاً ، فكما أنه كان موجوداً في الأزل ولا شيء يبقى موجوداً في اللا يزال أبد الآباد ولا شيء ، واحتج عليه بوجوه أولها : قوله هو الآخر ، يكون آخراً إلا عند فناء الكل وثانيها : أنه تعالى إما أن يكون عالماً بعدد حركات أهل الجنة والنار ، أو لا يكون عالماً بها ، فإن كان عالماً بها كان عالماً بكميتها ، وكل ماله عدد معين فهو متناه ، فإذن حركات أهل الجنة متناهية ، فإذن لا بد وأن يحصل بعدها عدم أبدي غير منقض وإذا لم يكن عالماً بها كان جاهلاً بها والجهل على الله محال وثالثها : أن الحوادث المستقبلة قابلة للزيادة والنقصان ، وكل ما كان كذلك فهو متناه والجواب : أن إمكان استمرار هذه الأشياء حاصل إلى الأبد ، والدليل عليه هو أن هذه الماهيات لو زالت إمكاناتها ، لزم أن ينقلب الممكن لذاته ممتنعاً لذاته ، ولو انقلبت قدرة الله من صلاحية التأثير إلى امتناع التأثير ، لانقلبت الماهيات وذلك محال ، فوجب أن يبقى هذا الإمكان أبداً ، فإذن ثبت أنه يجب انتهاء هذه المحدثات إلى العدم الصرف ، أما التمسك بالآية فسنذكر الجواب عنه بعد ذلك إن شاء الله تعالى وأما الشبهة الثانية : فجوابها أنه يعلم أنه ليس لها عدد معين ، وهذا لا يكون جهلاً ، إنما الجهل أن يكون له عدد معين ولا يعلمه ، أما إذا لم يكن له عدد معين وأنت تعلمه على الوجه فهذا لا يكون جهلاً بل علماً وأما الشبهة الثالثة : فجوابها أن الخارج منه إلى الوجود أبداً لا يكون متناهياً ، ثم إن المتكلمين لما أثبتوا إمكان بقاء العالم أبداً عولوا في بقاء الجنة والنار أبداً ، على إجماع المسلمين وظواهر الآيات ، ولا يخفى تقريرها ، وأما جمهور المسلمين الذين سلموا بقاء الجنة والنار أبداً ، فقد اختلفوا في معنى كونه تعالى آخراً على وجوه أحدها : أنه تعالى يفني جميع العالم والممكنات فيتحقق كونه آخراً ، ثم إنه يوجدها ويبقيها أبداً وثانيها : أن الموجود الذي يصح في العقل أن يكون آخراً لكل الأشياء ليس إلا هو ، فلما كانت صحة آخرية كل الأشياء مختصة به سبحانه ، لا جرم وصف بكونه آخراً وثالثها : أن الوجود منه تعالى يبتدئ ، ولا يزال ينزل وينزل حتى ينتهي إلى الموجود الأخير ، الذي كون هو مسبباً لكل ما عداه ، ولا يكون سبباً لشيء آخر ، فبهذا الاعتبار يكون الحق سبحانه أولاً ، ثم إذا انتهى أخذ يترقى من هذا الموجود الأخير درجة فدرجة حتى ينتهي إلى آخر الترقي ، فهناك وجود الحق سبحانه ، فهو سبحانه أول في نزول الوجود منه إلى الممكنات ، آخر عند الصعود من الممكنات إليه ورابعها : أنه يميت الخلق ويبقى بعدهم ، فهو سبحانه آخر بهذا الاعتبار وخامسها : أنه أول في الوجود وآخر في الاستدلال ، لأن المقصود من جميع الاستدلالات معرفة الصانع ، وأما سائر الاستدلالات التي لا يراد منها معرفة الصانع فهي حقيرة خسيسة ، أما كونه تعالى ظاهراً وباطناً ، فاعلم أنه ظاهر بحسب الوجود ، فإنك لا ترى شيئاً من الكائنات والممكنات إلا